عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

177

اللباب في علوم الكتاب

يفعل ما كلف أولا ، وعلى أن الأمر للوجوب والفور ؛ لأنه - تعالى - ذمّ التثاقل فيه ، والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه ، ولم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر . قال القاضي : إنما وجب ؛ لأن فيه إزالة شرّ وفتنة ، فأمر تعالى بذبح البقرة ، لكي يظهر القاتل ، فيزول الشّر والفتنة ، فلما كانت المصلحة في هذا الفعل صار واجبا . وقال بعضهم : إما أمروا بذبح بقرة معيّنة في نفسها ، فلذلك حسن موقع سؤالهم لأن المأمور به إذا كان مجملا حسن الاستفسار والاستعلام ، وعلى القول الأول لا بدّ من بيان ما الذي حملهم على [ هذا ] « 1 » الاستفسار ؟ فقيل : إن موسى - عليه الصلاة والسلام - لما أمرهم بذبح بقرة وأن يضربوا القتيل ببعضها فيصير حيّا تعجبوا من ذلك ، وظنوا أنّ تلك البقرة التي لها هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة فلا جرم استقصوا في السؤال عنها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصيّ بتلك الخواص ، إلّا أن القوم أخطئوا في ذلك ؛ لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصة للبقرة ، بل كانت معجزة يظهرها اللّه - تعالى - على يد موسى عليه الصلاة والسلام . وقيل : لعلّ القوم أرادوا أيّ بقرة كانت إلّا أن القاتل خاف من الفضيحة ، فألقى شبهة في نفوسهم وقال : المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة ، فلما وقعت المنازعة رجعوا عند ذلك إلى موسى عليه الصلاة والسلام . قال القشيريّ « 2 » في تفسيره : قيل : إن أوّل من راجع موسى - عليه الصّلاة والسلام - في البحث عن البقرة القاتل خوف أن يفتضح ، وقد وجدت تلك البقرة عند الشّاب . وقيل : إن الخطاب الأول للعموم ، إلّا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه ، فسألوا طلبا لمزيد البيان ، وإزالة سائر الاحتمالات إلّا أن المصلحة تغيرت ، واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة . وقيل : كان سؤالهم تقديرا من اللّه - عز وجلّ - وحكمة ، ومصلحة لصاحب البقرة ، فإنه يروى أن رجلا صالحا من بني إسرائيل كان له ولد بارّ ، وكان له عجلة فأتى بها غيضة وقال : اللّهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر ، ثم مات الأب فشبّت ، وكانت من أحسن البقر [ وأتمّها ] « 3 » وهي البقرة التي وصفها اللّه لهم فساوموها اليتيم وأمه حتى

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري : زين الإسلام شيخ خراسان في عصره زهدا وعلما بالدين كانت إقامته بنيسابور ولد في 376 ه من كتبه « التيسير من التفسير مخطوط » لطائف الإشارات مطبوع ، الرسالة القشيرية توفي في 465 ه . ينظر طبقات السبكي : 3 / 243 - 248 ، الوفيات : 1 / 299 ، تاريخ بغداد : 11 / 83 ، مفتاح السعادة : 1 / 438 ، كشف الظنون : 520 ، تذكرة النوادر : 24 ، الأعلام : 4 / 57 . ( 3 ) في ب : وأثمنها .